هل يجوز تحليف الممثل القانوني اليمين أمام المحاكم الجزائية ؟

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تحليف الممثل القانوني اليمين

امام المحاكم الجزائية

                                                                                                             القاضي

                                                                                                       رحيم حسن العكيلي

تصر بعض محاكم الجزاء ( تحقيق وجنايات وجنح ) على تحليف الممثل القانوني للوزارات ودوائر الدولة المختلفة اليمين قبل تدوين اقواله في كل الدعاوى الجزائية التي يحضر فيها امامها كوكيل عن دائرته . فهل يتوجب – فعلا – تحليف الممثل القانوني اليمين ، وهل من حق الممثل القانوني الامتناع عن حلف اليمين ؟ وما هو الاثر المترتب على امتناعه عن حلفها ؟ فهل يلاحق كما يلاحق الشاهد اذا ما امتنع عن حلف اليمين ؟

يحضر الممثل القانوني امام المحاكم الجزائية باعتباره وكيلا عن شخص معنوي عام ، فصفته في الدعاوى دائما هي انه ( وكيل ) عن ذلك الشخص المعنوي العام ، والاصل عدم جواز تحليف الوكيل يمين الشاهد ، ولو عد ما صدر عنه – بصفته تلك – اقرارات او ادعاءات او شهادات ضد الغير او لمصلحتهم .

ورغم ان صفة الموظف الحقوقي عن الشخص المعنوي العام تظل ( وكيلا ) في كل الحالات ، الا ان مركز الشخص المعنوي العام في تلك الدعاوى الجزائية قد يتغير ، فقد يكون مدع مدني ، وقد يكون مشتكي .

فتكون صفة الشخص المعنوي العام مشتكي اذا كان هو المجنى عليه فيها ، والمجنى عليه هو من تقع عليه الجريمة سواء وقعت على جسمه او ماله او سمعته او اعتباره ، كأن تختلس او تسرق اموال الوزارة ، فتكون الوزارة هي المشتكي في الدعوى الجزائية ، والاصل ان المشتكي يحلف اليمين حين تدوين اقواله ولو لم تكن له شهادة على الحادث ، تحوطا من احتمال التلفيق والكذب بشأن وجود الجريمة اصلا ، فقد يدعي شخص ما بأن داره سرقت الا انه لم يسرق اصلا .

الا ان تحليف المشتكي اليمين تنحصر في الاشخاص الطبيعية  والمعبرين عن ارادة الاشخاص المعنوية الخاصة ، دون الاشخاص المعنوية العامة ، اذ ان الشخص المعنوي العام – مثله مثل الشخص المعنوي الخاص – شخص افتراضي لا وجود له واقعيا – كشخص – فلا يمكن تحليفه اليمين ، ولا يصح تحليف المعبر عن ارادته ( اي عن ارادة الشخص المعنوي العام  ) كالوزير او مدير عام الشركة العامة او رئيس الهيئة اليمين ايضا ، لان المعبر عن ارادة الشخص المعنوي العام هو موظف عام ، ولا يحلف الموظف العام حين قيامه بواجبه كمعبر عن ارادة الشخص المعنوي العام يمين الشهادة .

وبما ان تحليف الشخص المعنوي العام متعذر عمليا ، ولا يصح تحليف المعبر عن ارادته ، فلا يحلف وكيله ( الموظف الحقوقي ) ايضا ، لانه ( اي الموظف الحقوقي / وكيل الشخص المعنوي العام ) – شأنه شأن اي ( وكيل لمشتكي ) سواء اكان شخص طبيعي او معنوي خاص – لا يحلف يمين الشاهد حين سماع اقواله  ، ولو تضمنت اقرارات او ادعاءات او شهادات ضد الغير او لمصلحتهم ،.

 والحقيقة ان وكيل الشخص المعنوي العام ( الموظف الحقوقي ) – كغيره من الوكلاء – حين تدوين اقواله امام المحكمة الجزائية ، انما يقوم بنقل ما زود به من معلومات وطلبات الى المحكمة ، فهو اقرب – في هذه النقطة – الى الرسول منه الى شئ اخر ، وقد لا يكون متيقنا مما زود به من معلومات فقد يذكر ( اي الممثل القانوني ) لقاضي التحقيق بان اموال دائرته اختلست الا انه ينقل عنها ما تدعيه ، وقد لا يكون متيقنا من ان اختلاسا قد وقع فعلا ، لذلك تكون الحكمة من وراء تحليف يمين الشهادة منعدمة في حالته ، فهذه انما يقصد منها التحوط ضد الكذب والتلفيق من خلال التأثير على ارادة الحالف عن طريق هذه اليمين ، وهذه لا تقوم في الموظف الحقوقي وكيل الشخص المعنوي العام لانه – غالبا – لا يعلم الحقيقة ، بل ينقل ما زودته به دائرته من معلومات .

لذا فلا اساس قانوني ولا مبرر عملي لتحليف ( الموظف الحقوقي / وكيل الشخص المعنوي العام ) اليمين امام المحاكم الجزائية ولو كانت تدون اقواله باعتباره وكيل عن ذلك الشخص المعنوي العام بصفته مشتكي .

وكذلك الحال اذا ما كانت صفة الشخص المعنوي العام مدع بالحق المدني فقط ، حينما يلحقه ضرر مباشر من الجريمة ، دون ان تقع الجريمة عليه مباشرة ، كوزارة التربية في جريمة تزوير الشهادة الدراسية وتقديمها الى وزارة الصحة والتعيين فيها بالاستناد اليها ، او كمفوضية الانتخابات في جريمة شراء اصوات الناخبين ، او دائرة الموظف المرتشي في جريمة رشو او ارتشاء موظفها ، و كوزارة الداخلية في جريمة انتحال صفة ضابط فيها ، اوهيئة النزاهة  في جريمة انتحال صفة محقق عندها ، فهذه الجرائم لم تقع على اموال او سمعة او اعتبار الشخص المعنوي العام مباشرة ، الا ان ضررا قد يلحق به او بالمصلحة التي يحميها او يدافع عنها ، فيحق له التدخل في الدعوى بصفة مدع بالحق المدني ، والمدعي بالحق المدني في الدعوى الجزائية لا يختلف – في مركزه القانوني – عن المدعي امام المحاكم المدنية ، فهو مدع بحق ما ، ولابد ان يطالب بامر ما غير ايقاع العقوبة الجزائية ، فقد يطالب بالتعويض او رد المال او نشر معلومة او غيرها ، وهو يخضع – كمدع – لنفس القواعد التي يخضع لها المدعي امام المحاكم المدنية بالنسبة الى تحليفه يمين الشاهد حول ما يدعيه ، فلا يجوز اجبار المدعي على ان يحلف على صحة ما يدعيه ، الا طبقا لقواعد توجيه اليمين الحاسمة او اليمين المتممة او يمين الاستظهار او يمين الاستحقاق ، وهذه لا يجبر الخصم على ان يحلفها ، بل له ان ينكل عن حلفها ، بخلاف يمين الشاهد ذات الصفة الاجبارية .

وهذه قاعدة عامة في كل من يحمل صفة المدعي المدني سواء اكان شخص طبيعي او معنوي ، فلا يحلف المدعي المدني في الدعوى الجزائية يمين الشهادة مطلقا ، ولا يحلف وكيله قطعا ، وبالتالي لا يصح تحليف الموظف الحقوقي وكيل الشخص المعنوي العام اليمين حين تدوين اقواله بصفته وكيل عن المدعي بالحق المدني .

والنتيجة النهائية ان تحليف الموظفين الحقوقيين باعتبارهم وكلاء عن الاشخاص المعنوية العامة في الدعوى الجزائية سواء بصفتهم مشتكين او مدعين بالحق المدني لا اساس له من القانون ولا من الواقع ، ولا تقف خلفها حكمة معتبره ، ويصح للموظف الحقوقي الامتناع عن حلف اليمين ، ولا يصح ملاحقته عن امتناعه عن حلفها مطلقا .

اما اذا كان للموظف الحقوقي – وكيل الشخص المعنوي العام – شهادة عن الجريمة ،كأن يكون شاهد السارق وهو يكسر باب الدائرة او شاهده وهو يهرب باموالها ، او شاهد زميله وهو يخفي موجودات المخزن الذي بعهدته في اسفل سيارته لاختلاسها ، فيتوجب – في مثل هذه الحالة – التفريق بين صفته كشاهد وبين صفته كوكيل عن المشتكي او عن المدعي بالحق المدعي ، فتدون اقواله بصفته وكيل عن الشخص المعنوي العام – سواء اكان مشتكي او مدعي بالحق المدني – دون تحليفه اليمين ، ثم تدون اقواله بصفته الشخصية كشاهد ويحلف حينها يمين الشهادة ، ولكن ليس بصفته الممثل القانوني للدائرة بل بصفته شاهد عادي شأنه شأن اي شاهد اخر .

القاضي

القاضي رحيم العكيلي

About العدل نيوز

من أجل دولة صالحة للسكن والعيش الكريم منذ ما قبل التغيير وهاجسنا كيف يمكن أن نحرك مفاهيم القانون والعدالة بالعراق بعتباره الداء والدواء في حل مشكلة تراجع العراق كدولة صالحة للعيش الكريم , وكان أملنا بعدعام 2003 بقوى التغيير لتلتفت الى العامل الأهم من اجل نقل العراق من زمن الظلم وفوضى الإرتجال والعسكرتاريا الى رحاب حكم القانون والقضاء العادل كما فعله أجدانا قبل أربعة ألاف سنه في شريعة حامورابي التي نقلت مجتمع ما بين النهرين من عصور الظلم والفوضى الى عصر الإزدهار, ولكن بكل اسف بدلاً أن تقوم قوى التغيير الوطنية والدولية من الإستفادة من أجواء الحرية والديمقراطية ونعم الثروات الهائلة التي يتربع عليها العراق لتكريس جهودها على حكم القانون والقضاء العادل في بناء الدولة العصرية ولكنها تنازلت ضمن اخطائها الكارثية لتستجيب الى قيم ورغبات البسطاء والمتمذهبين والمخالفين ليجد المفلسون إدواتهم السهلة للقفز على حكم القانون والقضاء العادل وننتهي الى صراع أمني وتشريعي وقضائي وإداري حكومي يتعقد على مدار اليوم والساعة ضيع علينا نعمة الحرية والديمقراطية,ولهذا مساهمة منا لوقفه تنويرية إصلاحية مهنية بناءة إرتأينا للمباشرة بنشرة قانونية قضائية إدارية مستقلة ستتيح لكل المخلصين والمختصين والجمهور أن يقولوا كلمتهم بما يجري من الجهود التشريعية والقضائية والإعمال الحكومية العامة, ولهذا سنجعل من موقعنا (العدل نيوز) حجر من أحجار البناء القانوني والقضائي والإداري الذي تقوم به الدولة العراقية الحديثة في فض الإشتباك الذي خلقته الفترة الإنتقالية الحالية لنساهم مع الجهود الوطنية والدولية المسؤولة عن نقل النظم القانونية والمؤسساتية بالعراق الحديث من النظام الشمولي الى نظام دولة القانون وحكم المؤسسات الدستورية والأقتصاد المفتوح حسب ما جاء به دستور 2005 ,ولهذا نهيب بكل أصحاب القرار والمختصين والمراقبين في المؤسسات الحكومية والخاصة والجمهور بالمشاركة الفاعلة بكل ما له صله بالمسائل حكم القانون والقضاء للمساهمة بالخبر والتعليق والتحليل والإقتراح والنقد لكل الأنشطة التشريعية والقضائية والإدارية بما فيها عرض الشكاوى والردود عليها لمن يريدها من المتضررين أو المسؤولين , ومن الله التوفيق أخوكم كامل الحساني مؤسس موقع العدل نيوز للأخبار والأبحاث والتحليلات والتعليقات القانونية والقضائية والتشريعية kamil@thejusticenews.com

Comments are closed